بين طموحات البقاء في الحكم وتحديات اللحظات التاريخية الفارقة، نادراً ما نجد قادة يمتلكون الشجاعة الكافية لمغادرة المشهد طواعية حين تشتد العواصف. وفي مسيرة الدولة الجزائرية المعاصرة، يبرز اسم اليمين زروال كحالة استثنائية لرجل دولة آثر الخدمة في صمت والرحيل في صمت، محولاً الزهد في الكرسي إلى أقوى رسالة سياسية في تاريخ البلاد الحديث.
مدرسة الأوراس والصلابة العسكرية
تضرب جذور شخصية اليمين زروال في أعماق جبال الأوراس الشامخة، حيث ولد عام 1941 ليتشبع بقيم الأنفة والصلابة التي ميزت ذاك المحيط. لم يكن انضمامه المبكر لجيش التحرير الوطني مجرد استجابة لنداء الثورة، بل كان تكويناً جوهرياً صاغ رؤيته لمفهوم الدولة. إن تدرجه في صفوف الجيش الوطني الشعبي بكفاءة عسكرية مشهودة غرس فيه عقيدة الانضباط التي ترى في المسؤولية "واجباً وطنياً مقدساً" وليست امتيازاً شخصياً. هذه الصلابة العسكرية هي التي منحت زروال لاحقاً القدرة على اتخاذ أصعب القرارات السياسية بروح الجندي الذي يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
هندسة المؤسسات: من التعيين إلى الشرعية الدستورية
تولى اليمين زروال رئاسة الدولة ووزارة الدفاع الوطني في 31 جانفي 1994 بقرار من المجلس الأعلى للأمن، في وقت كانت فيه الجزائر تعبر مخاضاً عسيراً يهدد كيانها. لكنه لم يكتفِ بإدارة الأزمة من موقع التعيين، بل قاد مساراً دقيقاً للانتقال بالدولة نحو الشرعية الشعبية والدستورية.
كانت المحطة الفارقة في 16 نوفمبر 1995، حين تم انتخابه رئيساً للجمهورية، ليتحول من قائد مرحلة انتقالية إلى رئيس شرعي يحمل تفويضاً شعبياً. واستكمالاً لهذا الصرح المؤسساتي، قاد زروال هندسة دستورية عميقة عبر استفتاء نوفمبر 1996 الذي استحدث "مجلس الأمة" كغرفة عليا للبرلمان. ولم يتوقف عند هذا الحد، بل كرس المسار الديمقراطي بتنظيم الانتخابات التشريعية في 5 جوان 1997، تلتها الانتخابات المحلية في 23 أكتوبر 1997، ليضع بذلك القواعد المتينة لدولة المؤسسات التي لا تزول بزوال الرجال.
المفاجأة السياسية.. قرار تقليص الولاية
في ذروة ممارسته لسلطاته الدستورية، وفي سلوك سياسي يندر تكراره، فاجأ زروال الجزائريين بقرار كسر القاعدة المعهودة في التمسك بالكرسي. ففي سبتمبر 1998، أعلن عن تقليص عهدته الرئاسية وتنظيم انتخابات مسبقة، في خطوة تعكس أسمى درجات النزاهة والترفع عن بريق السلطة.
"أعلن اليوم رسمياً أمامكم أيها الجزائريون والجزائريات عن قراري بتنظيم انتخابات رئاسية مسبقة."
بهذا الإعلان، جسد زروال فلسفة نادرة؛ فالمقاتل الذي تشبع بالانضباط في مدرسة الأوراس أدرك أن قوة القائد تكمن أيضاً في قدرته على الانسحاب حين يرى في ذلك مصلحة لاستقرار الدولة، منهياً عهدته رسمياً في 27 أفريل 1999.
فلسفة الصمت والرحيل الهادئ
منذ مغادرته سدة الحكم وحتى اليوم، اختار اليمين زروال الابتعاد الكلي عن صخب الحياة السياسية وضجيج الإعلام، مفضلاً العودة إلى حياته الهادئة. هذا "الصمت المهيب" لم يكن غياباً بقدر ما كان حضوراً أخلاقياً طاغياً؛ فقد أصبح اسمه يُستحضر كرمز للنزاهة والهدوء كلما ذُكرت المسؤولية الحقيقية.
لقد أثبت زروال أن رجل الدولة الحقيقي هو من يكتب تاريخه بالحكمة والإخلاص، لا بالخطب الرنانة. إن انضباطه العسكري الذي بدأ به مسيرته هو ذاته الذي مكنه من تنفيذ "انسحاب استراتيجي" مشرف، ليظل في الذاكرة الجمعية صفحة مضيئة كتبت بمداد من الزهد والوقار.
خاتمة
يظل اليمين زروال نموذجاً فريداً للقائد الذي لم تطوعه السلطة، بل طوع هو السلطة لخدمة المؤسسات. لقد رحل عن الحكم لكنه بقي حاضراً كمرجع أخلاقي في تاريخ الجزائر الحديث، مبرهناً على أن القيادة أمانة تُؤدى ثم تُسلم بكرامة.
وفي ختام هذه القراءة لنموذج فريد من القيادة، يبرز تساؤل جوهري: "في عالم يصارع فيه الجميع من أجل الضوء والبقاء، هل يمكن أن يكون الصمت والانسحاب في الوقت
المناسب هما أقوى رسائل القيادة؟"

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق